أفكار وآراء

أزمة «الهوية» الأوروبية.. تعمّق الفجوة مع واشنطن

22 فبراير 2017
22 فبراير 2017

محمد حسن داوود -

«لا شك أن العالم بأكمله مقبل على حقبة جديدة من العلاقات الدولية تختلف فيها قواعد اللعبة عما كان سائدا من قبل، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية برغم كل التقلبات السياسية والاقتصادية والثقافية التي حدثت في أعقابها وحتى يوم تولي دونالد ترامب مسؤولية الحكم».   

هذه التحولات السياسية ستكون عميقة جدا إلى حد الإرباك والارتباك على أكثر من صعيد ولن تخلو من الاضطرابات والمواجهات الخطيرة كذلك، ومن الصعد المرشحة بقوة لصدارة هذا المشهد العلاقات الأوروبية الأمريكية في عهد ترامب، ويزيد من هذا التوقع، أزمة الهوية التي تعيشها أوروبا ذاتها بعد البريكست البريطاني وتمدد «الشعبوية» السياسية بما يرسم خريطة جديدة لأوروبا بأكملها لا مجال فيها للحديث عن القارة العجوز أو الشابة، ولكن سيكون الحديث عن أوروبا المنغلقة أو المنفتحة، المستقرة أو المضطربة، وبداية طرف الخيط جاءت من المواقف المعلنة للرئيس الأمريكي الجديد.

والواقع أنه لم يحظَ تنصيب أي رئيس أمريكي بالارتياب في أوروبا كما حدث مع دونالد ترامب، لدى السياسيين وفئات واسعة من الشعوب الأوروبية، ولا يزال الذهول مسيطراً على سبيل المثال على الشعب الألماني من نتائج الانتخابات الأمريكية التي أوصلت دونالد ترامب للرئاسة، وبالنسبة لبعض الألمان يشكل وصول ترامب للبيت الأبيض حلماً غير مريح، والآن راحت السكرة وجاءت الفكرة وأصبح ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية،غير أن بعض الألمان لا يزالون فاغري الأفواه غير مصدقين ما يحدث، على حد وصف أحد المحللين السياسيين، ثم لم يكن غريبا أن يدعو وزير الخارجية الألماني السابق فرانك فالتر شتاينماير (الرئيس المنتخب حديثا لألمانيا) بلاده لأن تعد نفسها لأوقات صعبة أثناء حكم الرئيس ترامب، مؤكدا أن التجارة الحرة والتعاون بين واشنطن وأوروبا لمكافحة التطرف والإرهاب أمران مهمان لبرلين.

وقد أثار ترامب حفيظة القادة الألمان بتصريحات منها أن بريطانيا لن تكون آخر دولة تخرج من الاتحاد الأوروبي والتهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات من الصين والمكسيك، ما دفع المستشارة الألمانية إلى إظهار عزمها السعي للوصول لحلول وسط مع ترامب بشأن قضايا مثل التبادل التجاري والإنفاق العسكري وأنها ستعمل على الحفاظ على العلاقات المهمة بين أوروبا والولايات المتحدة. ودعت في الوقت ذاته أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى زيادة التعاون الأمني والدفاعي فيما بينهم لأنه لا يوجد «ضامن لأبدية» العلاقات مع الولايات المتحدة. وأضافت أن أوروبا تواجه تحديات متنامية داخل حدودها وفي مناطق قريبة منها الهجرة والتهديدات الإرهابية المتنامية، والحرب في سوريا، والعنف في شرق أوكرانيا، والفقر والمجاعة في أفريقيا.

حقا لم تذكر ميركل الرئيس الأمريكي بالاسم لكنها كانت تشير بوضوح فيما يبدو إلى تعليقات الرئيس الجديد أثناء الحملة الانتخابية بأنه سيدرس مساهمات أي بلد في حلف شمال الأطلسي قبل أن يتقدم للمساعدة، وقالت ميركل لطلاب في بروكسل بعد أن حصلت على الدكتوراه الفخرية من جامعتي ليوفين وجينت البلجيكيتين «أنا مقتنعة بأنه يجب على أوروبا والاتحاد الأوروبي تحمل المزيد من المسؤولية في العالم مستقبلا «، مضيفة : «دعونا لا نخدع أنفسنا، من وجهة نظر بعض شركائنا التقليديين.. وأنا أفكر في العلاقات عبر الأطلسي..لا يوجد ضامن لأبدية العلاقات الوثيقة معنا نحن الأوروبيين». بينما رأى نائب المستشارة الألمانية زيجمار جابرييل أن ألمانيا ينبغي أن تستعد لوقت صعب أثناء حكم الرئيس الأمريكي الجديد وإن أوروبا سيكون عليها صياغة سياسة اقتصادية جديدة تتجه نحو الصين إذا طبق ترامب سياسة حماية تجارية.

وفي ضوء هذه المواقف كان لافتا ذلك التعاطي غير الودي من قبل ترامب إزاء ألمانيا، التي طالبها بدفع مقابل «ضمان الجيش الأمريكي أمنها منذ عقود، محذرا من عدم إمكانية استمرار هذه الحماية بالمجان»، مؤكدا أنها «مدينة للأمريكيين بالكثير، لكنها لا تتفق معهم في كل شيء لأن لها ثقافتها السياسية الخاصة».

وبذلك، بدا ترامب كما لو كان يمضي في مسار مغاير لذلك الذي انتهجه أسلافه حيال الحليف الألماني، خاصة باراك أوباما، الذي حرص على توثيق عرى التحالف الأمريكي الأوروبي عبر تعزيز التعاون الاستراتيجي مع ألمانيا، التي اعتبر التحالف معها دعامة غير عادية للعلاقات عبر الأطلنطي، كونها ثالث أكبر مساهم بالقوات العسكرية في أفغانستان بعد الولايات المتحدة وبريطانيا، كما تقف في قلب الشؤون الأوروبية، وتعد شريكا أساسيا في العلاقات بين الولايات المتحدة والأوربيين في الناتو والاتحاد الأوروبي. كما ترتبط واشنطن وبرلين بالتزام مشترك وراسخ تجاه قيام اقتصاد عالمي منفتح ومتوسع، باعتبارهما من كبار الدول التجارية في العالم. و في مطلع تسعينات القرن الماضي، وبعدما غدت الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة في العالم، اعتبر الأمريكيون ألمانيا الموحدة «شريكا لواشنطن في الريادة العالمية».

وعلى الصعيد الاقتصادي، يستبد بالأوروبيين هلع من تأثير سياسات ترامب على الشراكة التجارية بين ضفتي الأطلسي، في ظل النزعة الحمائية التي ينطوي عليها خطابه سواء أثناء الحملة الانتخابية أو بعد تقلده الرئاسة.

ورغم أنه من المبكر لدول الاتحاد الوقوف على حجم الآثار السلبية المتوقعة لفوز ترامب على العلاقات الاقتصادية بين أوروبا وأمريكا، لم يدخر الأوروبيون وسعا في السعي لتعزيز التعاون مع شركاء تجاريين آخرين بعيدا عن واشنطن، إذ حرص سفير الاتحاد الأوروبي لدى الصين على تثمين حرص بكين على الالتزام باتفاقات التجارة الحرة، في مواجهة وعد الرئيس ترامب بتقييد الواردات الصينية، وأكد السفير الأوروبي أن أوروبا ترحب بدفاع الرئيس الصيني شي جينبينج عن التجارة الحرة في خطاب له الشهر الماضي، مشددا على أن الأوروبيين يأملون في اتخاذ «إجراءات ملموسة» لفتح السوق الصينية أمام المنتجات الأوروبية.

أما سياسيا، فيمكن القول إن تولي ترامب مقاليد الرئاسة الأمريكية قد شكل مصدر إلهام للتيارات الشعبوية واليمين المتطرف في أوروبا، فبالنظر إلى فرنسا التي تستعد لإجراء انتخاباتها الرئاسية في أبريل ومايو المقبلين، فيما يعتبر مراقبون فوز ترامب دعما لموقف ماري لوبان مرشحة حزب الجبهة الوطنية، الذي يعد أقوى الأحزاب القومية المتطرفة في أوروبا، ولذلك اعتبرت لوبان نتيجة الانتخابات الأمريكية نصراً للجماهير على النخبة، وتطوراً يجعل في الإمكان تحقيق ما كان يروج له في الماضي على أنه مستحيل، كما بدأت على الفور اتصالات بين حزبها وفريق ترامب.

ويتلاقى خطاب لوبان مع خطاب ترامب في مناح شتى، أبرزها النزعة الحمائية التجارية والانغلاق الاقتصادي.

وهذا هو أكثر ما يمكن أن يؤذي أوروبا إذا حققت لوبان بدورها المفاجأة، لأن نزعتها الحمائية تشمل السعي إلى إخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي عبر إجراء استفتاء كما حدث في بريطانيا. كما تتفق لوبان وترامب في اتخاذ موقف حاد ضد المهاجرين، ولكن فيما تبدو لوبان أقل قسوة في موقفها تجاه المهاجرين غير الشرعيين حيث تقبل إمهال من لا يجدون عملاً منهم 3 أشهر للحصول على وظيفة أو الرحيل، فهي تتخذ موقفاً أكثر حدة تجاه المهاجرين الذين صاروا مواطنين فرنسيين يحميهم الدستور ويمنحهم مواطنة كاملة، ويظهر ذلك في تعهدها بأن تكون الأولوية للفرنسيين الأصليين في برامح الرعاية والخدمات الاجتماعية.

وبرغم ما ذكر سابقا، يميل خبراء أوروبيون إلى قراءة تأثير فوز ترامب برئاسة أمريكا على مستقبل الاتحاد الأوروبي وعلى شكل علاقته بواشنطن من منظور مغاير، حيث يرون أن ما قد ينطوي عليه صعود ترامب من تحول أو تغير في علاقات واشنطن مع الاتحاد الأوروبي، ربما لا يخلو في الوقت ذاته من بعض الأمور الإيجابية، إذ قد يُرغِم الأوروبيين على إعادة ترتيب البيت الأوروبي من الداخل، ومراجعة المسيرة الوحدوية مع السعي للاستثمار بشكل فعال في توثيق عرى التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي، لاسيما على صعيدي السياسة الخارجية والدفاع،عبر توحيد المواقف السياسية وتنسيق الخطط الدفاعية بالتوازي مع زيادة الإنفاق على الدفاع، بما يقود في نهاية المطاف إلى تحصين الاتحاد وزيادة مناعته وتقليص درجة انكشافه الاستراتيجي إزاء أية تحديات خارجية، الأمر الذي يعينه على إعادة صياغة علاقة الشراكة الاستراتيجية مع الشريك الأمريكي على أسس سليمة وقواعد صلبة، بحيث لا تتغير بتغير الظروف أو القيادات والحكومات، إلا أن أوقاتا عصيبة تنتظر أوروبا في الغالب قبل تحقيق هذه الأهداف .